لم تحاول إيران مجاراة الأسطول الأميركي سفينةً بسفينة، بل أعادت تعريف ساحة المواجهة نفسها. ويعرض جاسم العزاوي في التقرير الذي نشره ميدل إيست مونيتور كيف حوّلت طهران ممراً مائياً ضيقاً إلى أداة ردع اقتصادي بالغ الكلفة.


على مدى عقود، افترض مخططو البنتاجون أن القوة الساحقة، إذا استُخدمت بحسم، تحسم أزمات الخليج. قلبت إيران هذا الافتراض عبر استراتيجية لا تسعى إلى الانتصار البحري التقليدي، بل إلى رفع كلفة أي اشتباك إلى مستوى يجعل التراجع أقل كلفة من التصعيد.


هندسة الردع: فخ اقتصادي لا معركة بحرية


يمتد مضيق هرمز بعرض 21 ميلاً، وتعبره يومياً قرابة ربع صادرات النفط المنقول بحراً. بدلاً من بناء أسطول يضاهي واشنطن، نشرت طهران منظومة تهديدات غير تقليدية: أسراب طائرات مسيّرة قادرة على إصابة أهداف خلال دقائق، أكثر من عشرين غواصة صغيرة، ومخزوناً يُقدَّر بنحو ستة آلاف لغم بحري. تموضع هذه القدرات في محيط جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، التي تسيطر عليها إيران منذ 1971، ليخلق طبقات تعطيل سريعة التأثير.


تزود سفن مراقبة صينية قريبة هذه المنظومة ببيانات استهداف آنية، فتقلّص فجوة المعلومات التي اعتادت القوات الأميركية استغلالها. لا تهدف هذه الأدوات إلى إغراق حاملات طائرات، بل إلى إشعار الأسواق بأن كل طلقة قد ترفع سعر البرميل عشرات الدولارات.

 

تشير تقديرات موثوقة إلى أن إغلاقاً جزئياً أو مؤقتاً قد يدفع الأسعار من نحو 64 دولاراً إلى ما بين 120 و130 دولاراً. تستطيع الاحتياطيات الاستراتيجية العالمية امتصاص الصدمة لشهرين تقريباً، وتحوّل خطوط أنابيب بديلة في السعودية والإمارات نحو ثمانية ملايين برميل يومياً، بينما يحمل المضيق نحو عشرين مليوناً.


الصين و«المثلث الحديدي»: تقاطع مصالح لا تحالف معلن


لا تقف بكين موقف المتفرج. تتجه 84 في المئة من النفط والغاز الطبيعي المسال العابر للمضيق إلى آسيا، وتعتمد الصين على هذا الممر لقرابة ربع احتياجاتها الطاقوية. يعبّر وجود مدمرة صينية قرب السواحل الإيرانية عن مصلحة وطنية واضحة: حماية سلاسل الإمداد، ورفع الكلفة الدبلوماسية والعسكرية على واشنطن إذا اختارت التصعيد.


يتحدث محللون عن «مثلث حديدي» يضم إيران وروسيا والصين؛ ليس تحالفاً رسمياً، بل تقارباً وظيفياً يعيد صياغة شروط ممارسة القوة الأميركية في المنطقة. لا يسعى هذا التقارب إلى معركة فاصلة، بل إلى ضغط تراكمي يجبر واشنطن على التفاوض تحت وطأة الضرورة الاقتصادية.


القوة الممكنة وحدودها: بين الضربة والنتيجة


تملك الولايات المتحدة القدرة على تدمير أصول بحرية إيرانية، وتعطيل أسراب مسيّرة، وتطهير حقول ألغام، وفتح المضيق بالقوة. يؤكد مسؤولون عسكريون ذلك، ولا يبالغون. لكن السؤال الجوهري لا يتعلق بالإمكان العسكري، بل بحساب الجدوى: هل تُفضي الضربة إلى وضع أسوأ اقتصادياً وسياسياً من تسوية تفاوضية، مهما بدت منقوصة؟


يذكّر التاريخ بصيغ مشابهة. كشف العدوان الثلاثي عام 1956 أن التفوق العسكري لا يضمن مكسباً استراتيجياً. وأظهر حظر النفط عام 1973 أن برميلاً واحداً قد يضغط على اقتصاديات كبرى أكثر من فرق مدرعة.

 

تستحضر طهران هذين الدرسين، وتراهن على أن شبح التضخم وتعطل الإمدادات وتقلب الأسواق سيؤثر في القرار الأميركي أكثر من صاروخ باليستي.


تبني إيران فخها بصبر: لا تهزم القوة الأميركية، بل تعيد توجيهها عبر جعل استخدامها أغلى من كبحها. سيحدد هذا العقد ما إذا كانت واشنطن ستفكر خارج أدواتها المألوفة، أم ستلجأ إلى القوة التي تعرفها جيداً. في النهاية، لا تتفاوض الجغرافيا، لكن من يسيطر عليها يفعل.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260225-the-strait-of-hormuz-where-geography-becomes-a-weapon/